فكرت كثيراً..ربما حقاً لم أفعل هذا الكثير..لكني وصلت لقناعة مفادها أن لا أمل هناك..
لا أمل لنا نحن الفلسطينيون ولا أمل لعائلتي حقاً..
فما حصل كان عودة حقيقية للصفر بكل ما فيه من لاشيء..
عودة حقيقية للصحراء..للفضاء..للامكان ..ولا أرواح ولا زمان ولا قافية للوقت ولا الألم..
أحد عشر شهراً..مرت بكل أوجاعها وثقلها على عائلتي..كانت بدايتها اعتقال أبي..دخوله للمشفى بشكل متكرر فاق الـ7 مرات..كان آخرها تتويجاً ملكياً بعملية القسطرة والشرايين..
هل يكفي أن أقول أنه أصبح مشفى متنقل من الأمراض..
ذاك العملاق الذي احتواني دائما على الرغم من سنوات اعتقاله وبعده عنا..
القرحة.. الضغط..السكري..تصلب الشرايين..الماء في الرئة..المفاصل والعظام..جلطات القلب..الذبحات الصدرية..ضعف شديد في بصره..بدايات لمرض الكلى لديه..حساسية..الربو..وهناك بعض من مزيد..
هذه كانت البداية..
ولا أكذبكم القول أنها بداية ضئيلة لما أتى بعد..
فيما بعد أصبحت الزيارة من الممنوعات.. المحرمات.. سموها ما شئتم..لكن حري بكم أن تشعروا بي وأنا أتعلق بحبال الأمل يوم تخرجي لعل وعسى أن يضل الألم طريقه إلي.. فيخرج أبي من سجنه في ذاك اليوم..
أياماً عديدة ومديدة تلك التي طالبته بها في غرفة الإنعاش وبين برابيش الأكسجين والدم والغلوكوز…طالبته أن يتقدم بطلب أو استرحام.. لمن لا رحمة لديهم ليراني أنا ابنته البكر وأنا استلم حصاد 4 سنوات جامعة..ونهاية 12 سنة من العلم..ليراني أنا ابنته البكر..عساها تكون اللحظة التاريخية الوحيدة التي يشاركني بها..بعد أن أفقده الاعتقال لحظة مولدي..ولحظة دخولي الروضة ومن ثم المدرسة..أنا ابنته البكر..التي وصلت لما تمنته..شهادة الصحافة حلمي المتألق..يا لذاك الحلم الذي لا يخلو من ضباب.. أصبحت الآن أدرك أن الضباب في أحلامنا هو الأساس والمعنى لهذه الأحلام..
تمنيته حقاً أن يكون حينها قريباً مني..بين أخي الغالي..وأمي العظيمة وجدتي الحنون.. والرائعة ..الرائعة دوما صديقتي وفاء.. تمنيته وأنا في حرم جامعة النجاح الجديد..حرم الأكاديمية الذي لا يبعد عن سجنه وعن زنزانته الضيقة سوى بضعة أمتار..تمنيته أن يأتي..أن يخرج ليقول لي مبارك يا أبي..مبارك يا حبيبتي.. لقد قالها..قالها بكل ألم ..وبعد ذلك بكثير.. وبالمشفى أيضاً..كنتيجة لأحدث جولة تعذيب على جسده..
موجات التحريض بأن أذهب لزيارته في سجنه بعد الحفل.. ذهبت هباءاً… ببساطه يوم تخرجي كان نكداً ولا حاجة لعائلتي لمزيد من الدموع والنكد..بعد تسلمي الشهادة والتقاط الصور السريعة خلعت ثوب التخرج وتحررت من عبئه وذهبت وكنت أظن أن اليوم عند هذا الحد قد ختم..
مساءاً تم اقتحام بيتنا وتفتيشه..تم تفتيش أمي وخالتي وأنا أيضاً..سألتني المجندة " الفلسطينية" : بأي صف في المدرسة أنت؟؟
جوابي كان أني تخرجت اليوم من الجامعة..
كان أسبوعاً قاسياً.. لكن قسوته مجتمعة لم تكن لتعادل قسوة اليوم..
أغلق محل أبي بالشمع الأحمر وصودرت كل البضاعة الموجودة فيه..للعلم فقط نحن هنا لا نتحدث عن بضائع تجارية ..بل نتحدث عن كيلو ..وكيلو..وكيلو..وكيلو..وكيلو.. والمزيد من كيلوات الذهب..فأبي تاجر ذهب.. وهي طبعاً لم تسج
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ